3 مؤسسين سخر منهم البنتاغون... فبنوا شركة بـ13 مليار دولار

منوعات

01:45 - 2026-11-02
تكبير الخط
تصغير الخط

اليوم الأخبارية - متابعة

تحولت ضحكات مسؤولي البنتاغون على 3 مسؤولين سابقين في "سبيس إكس" إلى رهان استثماري بقيمة 13 مليار دولار، بعدما نجحت شركتهم الناشئة في اقتحام أحد أكثر القطاعات الدفاعية تعقيداً وحساسية، حيث تسابق الولايات المتحدة روسيا والصين في تطوير الصواريخ فرط الصوتية.
وضعت شركة "كاستيليون" (Castelion) نفسها في قلب سباق التسلح الأميركي عبر محاولة سد فجوة استراتيجية طالما أقلقت واشنطن. فبينما تمتلك كل من الصين وروسيا صواريخ فرط صوتية جاهزة للاستخدام، لا تزال الولايات المتحدة تكافح لتحويل سنوات من الأبحاث والاختبارات المكلفة إلى منظومات تشغيلية واسعة النطاق.
وتعرف الصواريخ فرط الصوتية بقدرتها على التحليق بسرعة تتجاوز 5 أضعاف سرعة الصوت، مع إمكانية المناورة وتغيير المسار أثناء الطيران، ما يجعل رصدها واعتراضها أكثر صعوبة مقارنة بالصواريخ الباليستية التقليدية.
وترى "كاستيليون" أن المشكلة لم تكن في استحالة تطوير هذه التكنولوجيا، بل في ارتفاع تكلفتها وصعوبة تصنيعها بكميات كبيرة. وقال الرئيس التنفيذي والشريك المؤسس للشركة برايون هارجيس إن البشر تمكنوا بالفعل من بناء هذه الصواريخ، مضيفاً أن التحدي يكمن في تكرار ذلك بوتيرة صناعية أسرع وأقل تكلفة.
واستفادت الشركة من موجة الاهتمام المتصاعدة بتكنولوجيا الدفاع في الولايات المتحدة، خصوصاً مع تنامي المخاوف من استنزاف المخزونات العسكرية الغربية نتيجة الصراعات الجارية. وترى إدارة الشركة أن الولايات المتحدة باتت تستهلك بعض أنواع الذخائر والصواريخ بوتيرة أسرع من قدرتها على تعويضها، ما يعيد طرح قضية القاعدة الصناعية الدفاعية الأميركية على رأس الأولويات.
من "سبيس إكس" إلى صناعة الصواريخ
أُسست "كاستيليون" عام 2022 على يد ثلاثة تنفيذيين سابقين في شركة "سبيس إكس"، برايون هارجيس وأندرو كرايتز وشون بيت.
وتولى هارجيس سابقاً تطوير شبكة الأقمار الصناعية العسكرية "ستارشيلد"، بينما أشرف كرايتز على ملفات مالية سرية في الشركة، وقاد بيت عمليات مبيعات صواريخ "فالكون 9" في أوروبا.
وبدأت القصة بطريقة لا توحي بأي نجاح قريب. فخلال عرض تقديمي عبر تطبيق "زوم" أمام وحدة الابتكار الدفاعي التابعة للبنتاغون، أخبر المؤسسون المسؤولين الحكوميين أنهم يعتزمون منافسة "لوكهيد مارتن" في تطوير صواريخ فرط صوتية منخفضة التكلفة.
واستعادت الشركة تلك اللحظة باعتبارها واحدة من أكثر محطات التأسيس إحراجاً، إذ قوبلت الفكرة بالضحك داخل الاجتماع. وقال شون بيت إن الحضور لم يطلقوا مجرد ابتسامات ساخرة، بل ضحك عدد كبير منهم عندما سمعوا أن شركة ناشئة تخطط لمنافسة إحدى أكبر شركات السلاح في العالم.
لكن ما بدا آنذاك فكرة طموحة تحوّل خلال أقل من سنتين ونصف إلى مشروع دفاعي يحظى باهتمام متزايد داخل المؤسسة العسكرية الأميركية.
من رسم على الورق إلى برنامج معتمد
وطورت الشركة صاروخها الأساسي المسمى Blackbeard خلال فترة قصيرة نسبياً مقارنة بالمشروعات الدفاعية التقليدية.
ونجح البرنامج في الحصول على صفة "برنامج معتمد" داخل الموازنة العسكرية الأميركية، وهي خطوة مهمة تمنح المشروعات الدفاعية مصدراً أكثر استقراراً للتمويل الحكومي وتجعل فرص استمرارها أعلى بكثير.
ووضع هذا التطور "كاستيليون" في مواجهة مباشرة مع "لوكهيد مارتن"، التي تطور برنامجها فرط الصوتي الشهير Dark Eagle منذ عام 2017.
وبينما لا يزال "دارك إيغل" أحد أبرز برامج الصواريخ فرط الصوتية الأميركية، أشارت تقارير إلى أنه يعاني تأخيرات ممتدة لسنوات مقارنة بالجداول الزمنية الأصلية.
عقد بـ200 مليون دولار
وحصلت الشركة في سبتمبر على عقد من البحرية الأميركية تصل قيمته إلى 200 مليون دولار لتطوير وإنتاج صواريخ "بلاكبيرد".
وتشير وثائق البرنامج إلى أن تكلفة إنتاج الصاروخ الواحد قد تقل عن 500 ألف دولار، وهو رقم منخفض نسبياً في صناعة الصواريخ المتقدمة، خاصة عند مقارنته بصواريخ مثل "توماهوك" التي تصل تكلفة بعضها إلى عدة ملايين من الدولارات.
وأجرت الشركة اختبارات ناجحة للصاروخ على مقاتلات من طراز F/A-18 Super Hornet، بينما تسابق الزمن لتجهيز منشأتها الضخمة الجديدة في ولاية نيومكسيكو.
ومن المتوقع أن تمتد المنشأة على مساحة تقارب ألف فدان، مع خطط مستقبلية لإنتاج آلاف الصواريخ سنوياً إذا نجح المشروع في الوصول إلى مرحلة الإنتاج الكامل.
وأكد المدير المالي أندرو كرايتز أن الحاجة إلى هذه القدرات أصبحت فورية، معتبراً أن الصواريخ فرط الصوتية لا تمثل مجرد سلاح هجومي بل أداة ردع استراتيجية قد تحدد توازنات القوى لعقود مقبلة.
أما هارجيس فيختصر فلسفة الشركة بشعارها الداخلي: "الفوز قبل أن تبدأ الحرب".
صحراء ومقامرة وشح في الأموال
عاشت الشركة في سنواتها الأولى ظروفاً بعيدة تماماً عن صورتها الحالية كشركة بمليارات الدولارات.
واعتمد المؤسسون في البداية على مدخراتهم الشخصية، حتى إن هارجيس قال إنه كان يستخدم أموال تقاعده لتغطية نفقات المعيشة أثناء محاولة إطلاق المشروع.
ووصلت الضغوط إلى درجة أن المؤسسين تعهدوا في عقود الاستثمار الأولى بإعادة الأموال للمستثمرين إذا فشلوا في جمع مليون دولار إضافية لتمويل عملياتهم.
وتمكن الفريق في النهاية من تجاوز العقبة عبر بيع بعض حصصه في "سبيس إكس" وإعادة استثمار العائدات في الشركة الناشئة.
وفي أبريل 2023، حصلت "كاستيليون" على جولة تمويل تأسيسية بقيمة 5.6 مليون دولار قادتها شركة رأس المال المغامر "لافروك"، وهو مبلغ متواضع للغاية بالنسبة لشركة تحاول بناء صواريخ متقدمة.
وتوجه المؤسسون بعدها إلى صحراء موهافي قرب قاعدة "إدواردز" الجوية لبناء أول محرك صاروخي.
واستذكر كرايتز تلك الأيام قائلاً إن الجميع كانوا يعملون بأنفسهم في تصنيع الوقود وتجميع المكونات واختبار العتاد جنباً إلى جنب مع المهندسين والفنيين.
ومع اقتراب الأموال من النفاد، احتاج الفريق إلى ما يشبه الفرصة الأخيرة. فعثروا على مصور متخصص في التصوير عالي السرعة لتوثيق تجربة تشغيل ثابتة للمحرك الصاروخي.
وأدى الفيديو إلى جذب اهتمام شركة رأس المال المغامر الشهيرة "Andreessen Horowitz"، التي سارعت إلى قيادة جولة تمويل إضافية بقيمة 8.6 مليون دولار، لتبدأ بعدها مرحلة النمو الفعلي.
اختبار متكرر بدلاً من البيروقراطية
وتتبنى الشركة فلسفة مستوحاة من عصر برنامج "أبولو" الفضائي، تقوم على بناء النماذج الأولية بسرعة، ثم اختبارها وتعديلها وإعادة اختبارها بصورة متواصلة.
ويرى هارجيس أن الولايات المتحدة تخلت تدريجياً خلال العقود الماضية عن هذا الأسلوب العملي القائم على كثافة الاختبارات وسرعة التطوير، بينما واصلت دول أخرى تطبيقه في برامجها الصاروخية المتقدمة.
وقفز عدد موظفي "كاستيليون" من 159 موظفاً في نهاية 2025 إلى أكثر من 400 موظف حالياً، في مؤشر على التوسع السريع الذي تشهده الشركة.
لكن المؤسسين يدركون أن النجاح الحقيقي لن يقاس بعدد العقود أو التقييمات السوقية فقط، بل بقدرتهم على إنتاج أعداد كبيرة من الصواريخ بأسعار تسمح للحكومة بشرائها على نطاق واسع وفي توقيت مناسب للاحتياجات العسكرية.
وتعول الشركة على مشروعها الإنتاجي الجديد "Project Ranger" في مدينة ريو رانشو بولاية نيومكسيكو لتحقيق هذه الأهداف، رغم بعض الاعتراضات المحلية المرتبطة بإنشاء مصنع لإنتاج الصواريخ بالقرب من المناطق السكنية.
وأكدت إدارة الشركة أنها تعمل بالتنسيق مع السلطات المحلية وتعقد اجتماعات دورية مع السكان لشرح خططها ومعايير السلامة المعتمدة.
رهان قد يصنع فارقاً أو ينتهي بالفشل
ولا يخفي مؤسسو "كاستيليون" أن مشروعهم ما يزال يحمل قدراً كبيراً من المخاطرة رغم العقود الحكومية التي تتجاوز قيمتها 500 مليون دولار.
فالشركة راهنت منذ البداية على حل مشكلة استراتيجية ضخمة بدلاً من بناء مجموعة واسعة من المنتجات تدريجياً، ما يجعل فرص نجاحها أو تعثرها مرتبطة إلى حد كبير بقدرتها على إثبات جدوى نموذجها في إنتاج الصواريخ فرط الصوتية منخفضة التكلفة.
ويرى شون بيت أن مجرد وجود منافس جديد قادر على تحدي الشركات الدفاعية الكبرى يمثل مكسباً للولايات المتحدة، لأنه يجبر القطاع بأكمله على خفض التكاليف وتسريع الابتكار.
ورغم الجدل الدائم بشأن صناعة الأسلحة، يؤكد المؤسسون أن الهدف النهائي يتمثل في تعزيز الردع وليس إشعال الحروب. ويعتقد هارجيس أن الصواريخ فرط الصوتية توفر للحكومات أداة ضغط وردع تقع بين العقوبات الاقتصادية والحرب النووية، ما يمنح صناع القرار خيارات أوسع في إدارة الأزمات.

أخبار ذات صلة