المستشار الألماني يحذر من انشغال واشنطن بالحرب مع إيران على حساب أوكرانيا

عربي ودولي

04:02 - 2026-05-18
تكبير الخط
تصغير الخط

اليوم الأخبارية - متابعة

يبدي المستشار الألماني فريدريش ميرتس، مخاوف حقيقية، من تأثير الحرب الإيرانية، على القضية الرئيسية لأوروبا، وهي الحرب الروسية لأوكرانيا.
ففي مارس الماضي، جلس  ميرتس في المكتب البيضاوي أمام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وقام بخطوة غير متوقعة عندما أخرج من حقيبته خريطة لأوكرانيا التي مزقتها الحرب.
وفي خضم أزمة متصاعدة في مضيق هرمز ومفاوضات متعثرة مع طهران، حرص ميرتس على تذكير رئيس أقوى دولة في العالم بأن هناك حربًا أخرى أكثر قربًا من أوروبا وأشد تهديدًا لها، مؤكدًا أن "أوكرانيا لا يمكنها تقديم تنازلات إقليمية إضافية"، في رسالة ضمنية مفادها: لا تدعوا الحرب مع إيران تبتلع الملف الأوكراني.
ميرتس يتحدث بلسان أوروبا القلقة
الموقف الألماني جاء مدعومًا بتصريحات غير مألوفة أطلقها ميرتس في 27 أبريل، ونقلتها وكالة "رويترز" وموقع "سي إن بي سي"، قال فيها إن "الإيرانيين أمهر في عدم التفاوض منهم في التفاوض، فهم يجعلون المبعوثين الأمريكيين يسافرون إلى إسلام آباد ثم يعودون بلا نتائج، وأمريكا تُهان".
وأضاف ميرتس عبارة عكست حجم القلق الأوروبي من الانخراط في صراعات طويلة الأمد، قائلًا: "المشكلة في مثل هذه النزاعات أنها لا تتعلق فقط بكيفية الدخول، بل أيضًا بكيفية الخروج. رأينا ذلك في أفغانستان طوال عشرين عامًا، ورأيناه كذلك في العراق".
وأكد أن ألمانيا عرضت إرسال كاسحات ألغام بحرية لتطهير مضيق هرمز، موضحًا أن الخطوة "ليست مشاركة في الحرب، بل هي تحرك محسوب يثبت الحضور الأوروبي، ويُبقي برلين لاعبًا في صياغة الحلول، ويحافظ على ورقة الضغط على ترامب".
استراتيجية ألمانية مزدوجة
ووفق تحليل نشره معهد العلاقات الخارجية الألماني (DGAP)، تسعى برلين إلى فرض نفسها على جميع الأطراف؛ فهي تتحدث بقدر كافٍ من الاستقلالية عن واشنطن، وفي الوقت نفسه تقدم أدوات عملية تجعل من الصعب تجاوز دورها.
ويؤكد الباحث دومينيك تولكسدورف، من المعهد ذاته، أن تراجع واشنطن عن نشر صواريخ "توماهوك" الأمريكية في ألمانيا يعني أن أوروبا تفتقر إلى صواريخ كروز مماثلة من حيث المدى، وهي فجوة يصعب تعويضها سريعًا.
ويشير إلى أن ميرتس يتعامل مع الأزمتين الإيرانية والأوكرانية باعتبارهما ملفين مترابطين؛ فهو يرفع سقف خطابه تجاه واشنطن في الملف الإيراني، لكن هدفه الحقيقي يتمثل في تذكير الإدارة الأمريكية بأن روسيا لا تزال تواصل قصف كييف.
وبالفعل، وبعد غارات روسية مكثفة على العاصمة الأوكرانية أسفرت عن سقوط عشرة قتلى وإصابة أربعين آخرين، كتب ميرتس على منصة "إكس" في 14 مايو: "روسيا تراهن على التصعيد لا على التفاوض. كييف وحلفاؤها مستعدون لسلام عادل، بينما تواصل موسكو الحرب".
أوروبا تخسر على الجبهتين
من جهتها، وثّقت مجلة "الإيكونوميست" وتقرير مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي (CFR) التداعيات المتراكمة للحرب في الشرق الأوسط وانعكاساتها على أوكرانيا، مشيرين إلى أن الأسابيع الأولى من الحرب استنزفت نحو 16% من مخزون صواريخ "ثاد" الأمريكية و15% من صواريخ "باتريوت" خلال أربعة أيام فقط.
وبحسب ما نقله الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، فإن الولايات المتحدة استخدمت خلال ثلاثة أيام من القتال ما يعادل إجمالي ما قدمته لأوكرانيا طوال أربع سنوات.
وفي السياق ذاته، تتفق صحيفة "ليزيكو" الفرنسية والبنك المركزي الأوروبي على أن ألمانيا وإيطاليا تتجهان نحو ركود تقني بحلول نهاية عام 2026 إذا استمرت الأزمة الحالية.
وتلخص الباحثة ليانا فيكس، من مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي، المشهد بقولها: "حرب إيران تسكب النفط في محرك الآلة الروسية. رفع العقوبات عن النفط الروسي يمنح بوتين سبعة مليارات دولار خلال أسبوعين، وهو مال يذهب مباشرة إلى تمويل الحرب على أوكرانيا".
وتبرز المفارقة، بحسب التقديرات الغربية، في أن الغرب يخوض مواجهة في هرمز بينما يسهم، بصورة غير مباشرة، في تمويل خصمه الروسي عبر تدفقات النفط.
صمت بريطاني فرنسي محسوب
في المقابل، ترصد صحيفتا "الغارديان" و"فايننشال تايمز" موقفًا أوروبيًا أكثر تعقيدًا، إذ تستعد باريس ولندن لمرحلة ما بعد الهدنة عبر العمل على تشكيل تحالف يضم أربعين دولة لمراقبة مضيق هرمز وإزالة الألغام بعد وقف إطلاق النار.


لكن العاصمتين الأوروبيتين تتمسكان بشرط واضح: المشاركة الفعلية ستكون بعد انتهاء القتال لا قبله.
ووفق تقديرات معهد "كارنيغي"، فإن أوروبا تسعى إلى توظيف مشاركتها كورقة تفاوضية مقابل الحصول على ضمانات واضحة لأمن أوكرانيا ضمن أي تسوية مستقبلية مع روسيا.
وعلى المستوى الشعبي، يكشف استطلاع حديث أجرته "إيبسوس" ونشرته "يورونيوز" أن ثلاثة أرباع الهولنديين باتوا أكثر قلقًا من الحرب مع إيران مقارنة بالحرب في أوكرانيا.
أما على مستوى الحكومات الأوروبية، فالمعادلة تبدو أكثر تعقيدًا؛ إذ تستنزف الحرب الإيرانية الموارد العسكرية التي يحتاجها حلف شمال الأطلسي لردع روسيا، كما تُضعف الضغوط الاقتصادية المفروضة على موسكو بعد تخفيف واشنطن بعض عقوبات النفط، فضلًا عن تشتيت الاهتمام السياسي في عام انتخابي حساس بالنسبة إلى فرنسا وألمانيا.
وفي المحصلة، تبدو الرسالة الألمانية الضمنية التي يسعى ميرتس إلى إيصالها واضحة: مشاركة أوروبية في تأمين هرمز مقابل ضمان بقاء أوكرانيا على رأس الأولويات الغربية.

أخبار ذات صلة