اليوم الأخبارية - متابعة
أكدت الحكومة البريطانية أن موقفها من السيادة على جزر فوكلاند لن يتغير، وذلك بعد تسريب رسالة بريد إلكتروني من البنتاجون اقترحت إعادة تقييم دعم الولايات المتحدة لمطالب بريطانيا في الجزر، على خلفية ما وصفته بنقص الدعم البريطاني لواشنطن في حرب إيران.
وتعكس المذكرة سبلاً يمكن من خلالها لإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب معاقبة بريطانيا لعدم اتباعها القيادة الأميركية في قصف إيران، وتأتي قبيل زيارة رسمية تستمر 3 أيام إلى الولايات المتحدة يقوم بها الملك تشارلز الثالث، والتي يحتمل أن تكون مشحونة بالتوتر، بحسب صحيفة "الجارديان" البريطانية.
وبحسب ما نقلته "رويترز"، فإن المذكرة اقترحت أن تعيد الولايات المتحدة النظر في سياسة دعمها لمطالب أوروبا بشأن ما وصفته بـ"الممتلكات الإمبراطورية" طويلة الأمد، مشيرة تحديداً إلى جزر فوكلاند، التي كانت محور الحرب بين بريطانيا والأرجنتين عام 1982.
ردود بريطانية
وأثار التقرير ردود فعل سريعة داخل بريطانيا، شملت الحكومة وزعماء المعارضة والمحاربين القدامى وسكان الجزر، ما يعكس تراجعاً ملحوظاً في نبرة العلاقات البريطانية الأميركية خلال الأسابيع الماضية.
وقال المتحدث باسم رئيس الوزراء: "موقف المملكة المتحدة من جزر فوكلاند واضح ولا لبس فيه. إنه موقف راسخ ولم يتغير. السيادة تعود إلى المملكة المتحدة، وحق سكان الجزر في تقرير المصير هو الأساس".
من جانبها، أكدت الولايات المتحدة مجدداً موقفها المحايد تجاه الجزر، الجمعة، وفقاً لمتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية.
وقال المتحدث: "لا يزال موقفنا من الجزر قائماً على الحياد. نحن نقر بوجود مطالبات متعارضة بالسيادة بين الأرجنتين والمملكة المتحدة"، مضيفاً أن الولايات المتحدة تعترف بـ"الإدارة الفعلية للمملكة المتحدة" للجزر، دون الانحياز لأي من مطالبات السيادة.
ورغم غموض المقترح وغياب مؤشرات فورية على اعتماده، بدا أن التسريب الأميركي بشأن جزر فوكلاند صيغ عمداً لإثارة رد فعل في المملكة المتحدة، حيث لا تزال ذكريات الحرب حاضرة، وفقاً لـ "الجارديان".
واستعادت بريطانيا جزر فوكلاند في يونيو 1982، في ختام نزاع مرير استمر 74 يوماً، قتل خلاله 255 من أفراد القوات المسلحة البريطانية، و649 أرجنتينياً، و3 من سكان الجزر.
وقدمت الولايات المتحدة دعماً غير معلن لبريطانيا، شمل معلومات استخباراتية عبر الأقمار الاصطناعية واعتراض الاتصالات، إضافة إلى صواريخ ستينجر المحمولة، في حرب بدأت بغزو أرجنتيني للجزر، ولم يكن من المؤكد في بدايتها أن بريطانيا ستنتصر فيها.
ورغم عدم تجدد القتال منذ ذلك الحين، فإن وضع الجزر، التي تبعد نحو 8 آلاف ميل عن بريطانيا و300 ميل فقط عن الأرجنتين، لا يزال محل نزاع من قبل الأرجنتين، التي يقودها حالياً حليف ترامب، الرئيس خافيير ميلي.
ورد وزير الخارجية الأرجنتيني بابلو كويرنو على التقارير بالتأكيد مجدداً على استعداد بلاده لاستئناف المفاوضات الثنائية من أجل التوصل إلى "حل سلمي ونهائي".
ووصف كويرنو الوضع الحالي للجزر، التي تعرف أحياناً باسم "مالفيناس"، بأنه "وضع استعماري"، معرباً عن امتنانه للدعم الدولي لمطالب بلاده.
وقال في منشور على منصة "إكس": "بحكم التاريخ والحق والقناعة، مالفيناس أرجنتينية".
"غير قابل للتفاوض"
من جانبها، أكدت زعيمة حزب المحافظين كيمي بادنوك أن الجزر "أراض بريطانية"، بينما قال زعيم حزب "ريفورم يو كيه" نايجل فاراج إنه سيبلغ ميلي، خلال لقاء مقرر لاحقاً هذا العام، أن وضع الجزر "غير قابل للتفاوض".
أما زعيم الديمقراطيين الليبراليين إد ديفي، فكرر دعوته إلى إلغاء زيارة الملك إلى الولايات المتحدة في اللحظة الأخيرة، قائلاً: "هذا الرئيس غير الموثوق والمضر لا يمكنه الاستمرار في إهانة بلادنا".
ومن المقرر أن يصل الملك تشارلز الثالث والملكة كاميلا إلى واشنطن، الاثنين، على أن يلقي تشارلز في اليوم التالي خطاباً نادراً أمام مجلسي الكونجرس، قبل أن يزور الزوجان البيت الأبيض لحضور مأدبة رسمية يستضيفها ترامب، في لحظة توتر شديدة الحساسية في العلاقات عبر الأطلسي.
ضغوط على العلاقات الأميركية البريطانية
وقال أعضاء في مجلس اللوردات هذا الأسبوع إن العلاقات بين بريطانيا والولايات المتحدة "تواجه ضغوطاً أكبر اليوم مقارنة بأي وقت منذ الحرب العالمية الثانية".
قال رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، الاثنين، إن بلاده لن تنجر إلى حرب إيران مهما كانت الضغوط، كما أنها "لا تدعم حصار" الموانئ الإيرانية.
وأوضح جورج روبرتسون، رئيس لجنة العلاقات الدولية والدفاع في المجلس، أن اعتماد بريطانيا العسكري الكبير على الولايات المتحدة "لم يعد قابلاً للاستمرار".
في المقابل، أكدت الحكومة البريطانية أنها لا تشعر بالقلق إزاء احتمال تغيّر موقف ترامب، إذ قال متحدث باسم رئيس الوزراء إن "العلاقة الأمنية والدفاعية بين البلدين تعد من بين الأهم، إن لم تكن الأقرب، عالمياً، وهي مستمرة".
وأضافت حكومة جزر فوكلاند أنها "تتمتع بثقة كاملة" في التزام بريطانيا بحماية حقها في تقرير المصير، مشيرة إلى استفتاء عام 2013 الذي صوت فيه 99.8% من الناخبين، بنسبة مشاركة بلغت 92%، لصالح البقاء إقليماً بريطانياً وراء البحار.
وقال سايمون ويستون، أحد قدامى المحاربين الذي أصيب بحروق بالغة خلال القتال، إن سكان الجزر عاشوا في سلام طوال 44 عاماً منذ الحرب، مضيفاً: "مجرد شعور (ترامب) بالإهانة لأن الآخرين لم يسارعوا لدعم حربه التي أشعلها وبدأها، والتي لم يكن بحاجة إلى بدئها، لا يبرر ذلك".
مذكرة مسربة
ويبدو أن المذكرة المسربة أُعدت رداً على استياء في البيت الأبيض من عدم تقديم بريطانيا ودول أخرى في حلف شمال الأطلسي (الناتو) دعماً كافياً للحملة الأميركية التي استمرت 38 يوماً لقصف إيران.
كما اقترحت تعليق عضوية إسبانيا في الناتو لرفضها السماح للطائرات الحربية الأميركية بالتمركز أو التحليق فوق أراضيها خلال عملية "الغضب الملحمي"، رغم عدم وضوح وجود آليات لتنفيذ ذلك.
ورغم عدم نشر النص الكامل للرسالة، تحدث مسؤولون أميركيون عن مضمونها كما تم تلخيصه.
وقالت المتحدثة باسم البنتاجون كينجسلي ويلسون: "كما قال الرئيس ترامب، رغم كل ما قدمته الولايات المتحدة لحلفائها في الناتو، لم يكونوا إلى جانبنا".
وأضافت: "ستعمل وزارة الدفاع على ضمان توفر خيارات موثوقة أمام الرئيس لضمان ألا يكون حلفاؤنا مجرد قوة على الورق، بل أن يؤدوا دورهم. ولا تعليق إضافي لدينا بشأن المداولات الداخلية".
وكان رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر قد أبقى بلاده إلى حد كبير خارج الحرب مع إيران، لكنه سمح، خلافاً لدول أوروبية أخرى، للطائرات الأميركية من طراز "بي-1 لانسر" و"بي-52 ستراتوفورتريس" بالانطلاق من قواعد بريطانية في مهام وُصفت بالدفاعية، شملت استهداف منصات صواريخ إيرانية وأي تهديدات للملاحة في مضيق هرمز.
لكن ترامب انتقد مراراً ضعف الدعم العسكري البريطاني، معتبراً أن لندن لم تُبد استعداداً للمساعدة إلا في حماية المضيق بعد انتهاء الحرب، كما وصف حاملات الطائرات التابعة للبحرية الملكية بأنها "ألعاب"، وقارن ستارمر برئيس الوزراء البريطاني الأسبق نيفيل تشامبرلين.
واعتبرت "الجارديان" أن هذه التصريحات العلنية مختلفة بشكل واضح عن نهج الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريجان عام 1982، حين أعرب عن دعمه لرئيسة الوزراء البريطانية مارجريت تاتشر بشكل خاص، قائلاً: "سنفعل ما بوسعنا لمساعدتكِ. المخلص، رون".
من جانبه، أكد رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز أن بلاده عضو "مخلص" في الناتو، مضيفاً: "موقف الحكومة الإسبانية واضح: تعاون كامل مع الحلفاء، ولكن دائماً في إطار القانون الدولي".
وكان سانشيز، وهو من أبرز المنتقدين الأوروبيين للحرب في إيران، قد أثار غضب ترامب برفضه السماح باستخدام قواعد عسكرية مشتركة في جنوب إسبانيا.
وجدد انتقاداته، الجمعة، قائلاً: "الأزمة التي خلفتها هذه الحرب غير القانونية في الشرق الأوسط تُظهر فشل القوة الغاشمة، وتؤكد ضرورة احترام القانون الدولي وحماية وتعزيز النظام متعدد الأطراف".