ملفات إبستين في بريطانيا.. عاصفة سياسية تهدد حكومة ستارمر

عربي ودولي

06:47 - 2026-02-11
تكبير الخط
تصغير الخط

اليوم الأخبارية - متابعة
بينما أحدث الكشف عن الدفعة الثانية من ملفات قضية جيفري إبستين زلزالاً سياسياً وإعلامياً في بريطانيا، بدا المشهد مختلفاً على الضفة الأخرى من الأطلسي. ففيما أطاحت الفضيحة بشخصيات بارزة في بريطانيا، وفتحت الباب أمام استقالات وتكهنات بشأن مصير قيادات سياسية رفيعة، لم تُسفر التداعيات في الولايات المتحدة، حيث وقعت الجرائم الجنسية، عن أثر مماثل على دوائر النفوذ والنخبة الحاكمة، وهو ما شكّل مفارقة لافتة ما زالت مستمرة حتى الآن.
وخلال الأيام الماضية، قدّم مورجان ماك سويني، كبير مستشاري ومساعدي رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، استقالته، وتلاه المسؤول الإعلامي في رئاسة الوزراء تيم آلان، فيما باتت احتمالات استقالة ستارمر نفسه تتصدر عناوين الصحف البريطانية الكبرى.
العضوة السابقة في البرلمان البريطاني شارلوت ليزلي، التي عاصرت تطورات قضية إبستين، عزت هذا التباين في ردود الفعل إلى طبيعة النظامين السياسيين في البلدين. وقالت "هذه فضيحة واسعة النطاق تورطت فيها شخصيات نافذة، ومن الصعب التنبؤ بتداعياتها النهائية، سواء هنا أو في الولايات المتحدة. إن ما نشهده في المملكة المتحدة يعكس مستوى توقعات الشعب البريطاني من سياسييه، ودرجة اهتمام الصحافة بمحاسبتهم"
في المقابل، قدّم الصحفي والمؤرخ البريطاني المخضرم، روبرت فوكس، قراءة مختلفة، معتبراً أن هذا التفاوت في التفاعل "مؤقت"، وقلل من فكرة "خصوصية" النظام السياسي البريطاني.
وقال: "لن يستمر الوضع على هذا النحو بالضرورة. فكلما تكشّفت معلومات إضافية عن تورط النخبة الحاكمة في الولايات المتحدة في ممارسات مشبوهة أو مخالفة للقانون مع إبستين، ستتفاقم التداعيات. إنها فضيحة كبرى، وأعتقد أننا لم نصل بعد إلى منتصفها".
ولم تكن الشكوك حول تورّط شخصيات بريطانية بارزة، مثل الأمير أندرو شقيق الملك تشارلز الثالث، في الانتهاكات والجرائم التي ارتكبها رجل الأعمال الأميركي جيفري إبستين، وليدة اللحظة، بل تعود إلى سنوات مضت. غير أن الفضيحة التي تفجّرت منتصف العام الماضي، وشملت أيضاً اللورد بيتر ماندلسون، سرعان ما تدحرجت ككرة ثلج، متسببة في أزمة سياسية وقضائية متصاعدة.
ففي يوليو 2025، كشفت وسائل إعلام بريطانية وأميركية، أن السفير البريطاني في واشنطن ووزير التجارة السابق وعضو مجلس اللوردات السابق، بيتر ماندلسون، كان من بين الموقّعين والمساهمين في تقريظ ما عُرف بـ"كتاب عيد الميلاد" والذي أُهدي إلى إبستين.
ويتكوّن الكتاب، الذي تجاوزت صفحاته المئتين، من "دفتر للذكريات" يضم صوراً فوتوغرافية فاضحة ورسومات بدائية، تُظهر رجل الأعمال الأميركي في أوضاع مخلة مع نساء وفتيات قاصرات. وقد قامت بجمع هذا الكتاب وتأليفه عشيقته السابقة جيسلين ماكسويل، المحكوم عليها بالسجن عشرين عاماً بعد إدانتها بتهم الاتجار بالبشر واستغلال القاصرات.
وفي سبتمبر من العام نفسه، اضطر رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر إلى إقالة ماندلسون من منصبه سفيراً للمملكة المتحدة في الولايات المتحدة، بعد تأكد صحة توقيعه على الكتاب المشبوه، وثبوت استمرار علاقته بإبستين حتى بعد إدانة الأخير في عام 2007 بتهم استغلال قاصر جنسياً والاتجار في الدعارة.
استقالة "أمير الظلام"
وكان ستارمر قد أعاد ماندلسون إلى الواجهة السياسية من أوسع الأبواب، بعدما أشركه في إعداد برنامجه الانتخابي قبل توليه رئاسة الوزراء، ثم عيّنه سفيراً في واشنطن. واعتقد رئيس الحكومة أن الأزمة قد أُغلقت بإقالة السياسي المخضرم، الملقب بـ"أمير الظلام" نظراً لبراعته في المناورات والمؤامرات الحزبية
لكن إفراج وزارة العدل الأميركية عن الدفعة الثانية من ملفات ابستين، في 30 يناير الماضي، كشفت عن تورط ماندلسون مع إبستين في ملفات فساد مالي واستغلال للسلطة والنفوذ. ما اضطر ماندلسون إلى الاستقالة من مجلس اللوردات، بالتزامن مع بدء السلطات البريطانية التحقيق في الجرائم المنسوبة إليه.
غير أن هذه الخطوات لم تكن كافية لاحتواء تداعيات الأزمة أو إنقاذ سمعة رئيس الوزراء. فقد نقلت صحيفة "التايمز" البريطانية عن محرر الشؤون الخارجية، مايكل بنيون، قوله إن "العديد من نواب حزب العمال يشعرون بغضب شديد، ويلومون ستارمر على المضي قدماً في ترشيح ماندلسون، رغم التحذيرات من أن ذلك ينطوي على مخاطر سياسية جسيمة".
رشاوى وتسريبات حكومية
وكشفت الدفعة الأخيرة من ملفات إبستين، أن بيتر ماندلسون تلقّى ما مجموعه نحو 75 ألف دولار من إبستين، على عدة دفعات مباشرة وغير مباشرة بين عامي 2003 و2004، وفق سجلات وزارة العدل الأميركية.
وفي تلك الفترة، كان ماندلسون يشغل منصب مستشار رئيس الوزراء السابق، توني بلير، إلى جانب كونه مفوض المملكة المتحدة لدى الاتحاد الأوروبي.
وتُظهر الوثائق أن جزءاً من هذه الأموال حُوّل عبر حساب شريك ماندلسون، رينالدو دا سيلفا، بزعم تغطية تكاليف جلسات علاج طبيعي، حيث حوّل إبستين مبلغي 10 آلاف و13 ألف دولار لهذا الغرض. وقد أنكر ماندلسون علمه بهذه التحويلات، مؤكداً أنه لا يتذكر أي شيء بشأنها.
غير أن هذه المدفوعات لا تُعد أخطر الاتهامات الموجهة إليه. ففي عام 2009، وأثناء توليه منصب وزير التجارة في حكومة جوردون براون، سرّب ماندلسون مذكرة حكومية سرية إلى إبستين، تتضمن توصية ببيع أصول مملوكة للدولة بقيمة تقارب 20 مليار دولار، بهدف تخفيف عبء الدين العام. كما نقل إليه تفاصيل المشروع الضريبي الحكومي بالكامل قبل إقراره، والذي تضمّن فرض ضريبة استثنائية لمرة واحدة على مكافآت المصرفيين، بحجة استفادتهم من برامج إنقاذ حكومية ضخمة.
ولم يتوقف الأمر عند ذلك، إذ كشفت الوثائق أنه في ديسمبر 2009 نصح ماندلسون إبستين بالتواصل مع جيمي ديمون، المدير التنفيذي لمصرف "جي بي مورجان"، للضغط على وزير المالية البريطاني آنذاك، أليستر دارلينج، و"تهديده قليلاً". وقد وصفت هيئة الإذاعة البريطانية BBC، تلك المكالمة، التي جرت بالفعل، بأنها "غاضبة"، دون أن يُعرف حينها أن أحد وزراء الحكومة كان يقف خلفها.
وفي مايو 2010، أبلغ ماندلسون إبستين، عبر رسالة خاصة، بأن الاتحاد الأوروبي يستعد لتخصيص نحو 500 مليون يورو لدعم العملة الموحدة، قائلاً: "أخبرتني مصادر أن خطة الإنقاذ تبلغ 500 مليار يورو، وهي شبه مكتملة… وسيُعلن عنها الليلة".
تُعد هذه التصرفات، وفق خبراء قانونيين، استغلالاً فاضحاً للنفوذ، وإفشاءً لأسرار الدولة، وتواطؤاً محتملاً للتلاعب بالأسواق المالية. وفي هذا السياق، قال محرر شؤون الدفاع في صحيفة "ديلي تليجراف"، كوز كوفلين إن الشرطة البريطانية داهمت منزلين يملكهما ماندلسون، في إطار التحقيق في شبهات سوء سلوك في منصب عام، وهي جريمة قد تصل عقوبتها إلى السجن المؤبد".
وبدأت الشرطة البريطانية بالفعل تحقيقاتها الرسمية، فيما أفادت وكالة "أسوشيتد برس"، بأن رئيس الوزراء البريطاني السابق، جوردون براون، الذي شغل ماندلسون منصب وزير التجارة في حكومته، قدّم شهادة مكتوبة إلى الجهات المختصة.
وعلى وقع هذه التطورات، أعلن بيتر ماندلسون، في مطلع فبراير الجاري، استقالته من حزب العمال الحاكم، مؤكداً أنه لا يرغب في التسبب بمزيد من الحرج للحزب.
اهتزاز الثقة بالحكومة
كشف هذه التطورات عن وضعٍ بالغ الحرج حُشر فيه رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، بعدما أُثيرت تساؤلات واسعة حول الأسباب التي دفعته إلى الاستعانة بسياسي مثير للجدل مثل بيتر ماندلسون خلال حملته الانتخابية، ثم تعيينه لاحقاً سفيراً في واشنطن، رغم سجله الحافل بالفضائح.
فماندلسون أُبعد في السابق عن أكثر من منصب حكومي. ففي عام 1998، اضطر إلى الاستقالة من منصب وزير الصناعة والتجارة بعد انكشاف حصوله على "قرض سري" بقيمة 370 ألف جنيه إسترليني من رجل أعمال كانت وزارته تُجري تحقيقاً رسمياً بشأنه.
وفي عام 2001، أُجبر مرة أخرى على الاستقالة، عقب عودته إلى الحكومة وزيراً مكلفاً بشؤون إيرلندا الشمالية، بعدما ثبت تورطه في تسهيل حصول رجل الأعمال الهندي جوبيشاند هيندوجا على جواز سفر بريطاني بطرق مشبوهة.
الأهم من ذلك كما قال كوفلين هو، أن "اعتراف ستارمر بتعيينه ماندلسون سفيراً للمملكة المتحدة في واشنطن على الرغم من علمه بأنه استمر في الاجتماع مع إبستين بعد سجنه في فلوريدا بتهمة الاعتداء الجنسي على الأطفال، قد يجبره على ترك منصبه كرئيس لوزراء المملكة المتحدة، لأنه من الواضح أنه ارتكب خطأً فادحاً في تعيينه في المقام الأول".
مطالب حزبية باستقالة ستارمر
وفي محاولة لاحتواء الأزمة، سعى ستارمر إلى النأي بنفسه عن ماندلسون، فاعتذر علناً لضحايا إبستين وعائلاتهم، وأكد أن ماندلسون "كذب عليه". ومع تصاعد الضغوط، طالب نواب في البرلمان البريطاني بالكشف عن آلية التحقق التي اعتمدتها الحكومة قبل تعيين ماندلسون سفيراً، ونشر جميع الوثائق المتعلقة بقضيته وصلاته المشبوهة بابستين.
وأعلن مورجان ماك سويني، أكبر مساعدي ومستشاري رئيس الوزراء، تحمل المسؤولية، لأنه هو من نصح باستقدام ماندلسون وتعيينه سفيراً.
غير أن هذا "القربان السياسي" لم يكن كافياً. فقد طالب عدد من القيادات البارزة في حزب العمال الحاكم باستقالة ستارمر ورحيله عن قيادة الحزب، وفي مقدمتهم رئيس الفرع الاسكتلندي للحزب، أنس سروار، الذي عقد مؤتمراً صحافياً عاجلاً في مدينة جلاسكو، دعا فيه إلى "وضع حدٍّ لهذا التشتيت"، مؤكداً ضرورة "تغيير القيادة في داونينج ستريت".
واعتبر سروار، أن مكتب رئيس الوزراء ارتكب "أخطاءً كثيرة" منذ تولي ستارمر السلطة، وأنه رغم كونه "رجلاً نزيهاً"، فإن أداءه الحالي يُقوّض فرص حزب العمال في الفوز بانتخابات البرلمان الاسكتلندي المقررة في مايو المقبل.
الأسرة المالكة
الكشف عن الدفعة الثانية من ملفات ابستين لم يقلب حال الحكومة البريطانية فحسب، بل طال الأسرة المالكة، بعد أن ظهرت طبيعة العلاقة التي كانت تجمع الأمير (سابقاً) أندرو شقيق الملك مع رجل الأعمال الأميركي "المنتحر".
لم تقتصر تداعيات الدفعة الثانية من ملفات إبستين على الحكومة البريطانية، بل امتدت إلى الأسرة المالكة، بعد انكشاف طبيعة العلاقة التي ربطت الأمير أندرو، شقيق الملك، برجل الأعمال الأميركي.
وفي خطوة غير مسبوقة، عبر الملك تشارلز عن "قلق بالغ"، إزاء الادعاءات المتعلقة بأندرو ماونتباتن ويندسور، مؤكداً استعداده لـ"دعم" الشرطة في حال تواصلها معه بشأن هذه المزاعم، وفق تعبيره، وذلك بعد ساعات قليلة من إعلان شرطة العاصمة البريطانية فتح تحقيق بشأن احتمال قيام الأمير أندرو بتسريب وثائق ومعلومات سرية إلى إبستين، خلال فترة توليه منصباً حكومياً رسمياً بصفته "مبعوثاً تجارياً سامياً".
بحسب الشرطة البريطانية، يُشتبه في أن الأمير السابق أرسل تقارير رسمية تتعلق برحلات خارجية إلى سنغافورة والصين وهونج كونج وفيتنام، خلال عامي 2010 و2011، إلى إبستين.
ويرى مايكل بنيون، أن "مجرد توجيه هذا الاتهام، حتى في غياب دليل قاطع على خرق قانون الأسرار الرسمية، يُعدّ أمراً بالغ الضرر"، مضيفاً أنه "من المرجح جداً أن يُطلب من أندرو المثول للإدلاء بشهادته، سواء في بريطانيا أو أمام الكونجرس الأميركي، بشأن ما كان يعرفه عن هذه القضية برمتها".
ليست هذه أول فضيحة تربط الأمير أندرو بإبستين. فبعد ظهوره في مقابلة شهيرة مع هيئة الإذاعة البريطانية BBC، أكد فيها أنه قطع جميع علاقاته برجل الأعمال الأميركي إبستين عقب إدانته في عام 2007 بتهم الاتجار في الدعارة واستغلال القاصرين جنسياً، تبيّن لاحقاً أنه واصل التواصل معه. بل كشفت رسائل إلكترونية أنه شجّعه في عام 2011 قائلاً إنهما "معاً في هذا الأمر".
وفي أكتوبر الماضي، انفجرت الفضيحة مجدداً، ما دفع القصر الملكي في بريطانيا إلى سحب ألقاب أندرو، وبدء إجراءات إخراجه من القصر المخصص له على نفقة الدولة.
أما الفعة الجديدة من ملفات إبستين، فقد تضمنت صوراً فاضحة للأمير، من بينها ثلاث لقطات يظهر فيها منحنياً فوق "فتاة مجهولة"، وفي إحداها وهو يتحسس جسدها. كما كشفت عن مراسلات إلكترونية توحي بأن إبستين أرسل إليه فتاة روسية لممارسة الجنس معها فير عام 2010، وهي وقائع فتحت الشرطة البريطانية تحقيقاً جنائياً بشأنها.
رغم خطورة هذه الاتهامات، يستبعد البروفسور سكوت لوكاس، أستاذ العلاقات الدولية"، محاكمة أندرو في الولايات المتحدة، قائلاً: "لا أرى أي تحرك فعلي لمقاضاته بموجب القانون الأميركي. ما تسعى إليه السلطات الأميركية منذ فترة هو الحصول على شهادته، التي يرفض الإدلاء بها حتى الآن. لا يوجد ما يشير إلى أن هذه الشهادة ستؤدي إلى توجيه اتهامات جنائية بحقه، لكنها قد تكشف معلومات حساسة عن آخرين".
وقد سبق لأندرو أن دفع في عام 2022، تعويضاً مالياً بـ12 مليون دولار لفتاة تدعى فيرجينا جويفر، اتهمته باغتصابها عندما كانت تبلغ من العمر 17 عاماً، وذلك للتنازل عن قضية رفعتها ضده في المحاكم الأميركية. وللفتاة صورة شهيرة تجمعها بالأمير (السابق) وجيزلين ماكسويل عشيقة إبستين.
جويفر انتحرت في ظروف غامضة في أبريل من العام الماضي، غير أن الكشف عن مذكراتها بعد وفاتها كشف عن جانب مظلم من شخصية أندرو، حيث أنها كتبت في مفكرتها: "إنه يظن أن من حقه ممارسة الجنس معي، لأنه ولد أميراً".

أخبار ذات صلة